بحث هذه المدونة الإلكترونية

الترادف



يمكن القول تسامحا: إنه إذا كان الاشتراك علاقة بين معنيين اتحد لفظهما، فإن الترادف علاقة بين لفظين اتحد معنياهما. ويتوقف الحكم على كلمتين بأنهما مترادفتان في معنى ما أو لا على نوع المعنى؛ إذ قد تكون الكلمتان مترادفتين في نوع ما من المعنى ومختلفتين في نوع آخر. فالصارم والهندي في قول الشاعر:
في حامل الصارم الهندي منتصرا ضع السلاح قد استغنيت بالكحل
صفتان للسيف، وهما مترادفتان في الذات (أي في الإشارة إلى السيف الذي يحمله الغلام المتحدث عنه) ومتباينتان في الصفة؛ لأن الصارم يعني القاطع أو الحاد، والهندي يعني أنه منسوب إلى الهند.
وقد عرف فخر الدين الرازي المترادفات بأنها "الألفاظ المفردة الدالة على شيء واحد باعتبار واحد"،[1] وقد أخرج بقوله "المفردة" العلاقة بين الشيء وتعريفه، لأن لكل كلمة في اللغة حدا وتعريفا، وأخرج بقوله: "باعتبار واحد" العلاقة بين مترادفين باعتبارين كالصارم والهندي. وذكر كل من الشريف الجرجاني،[2] والشوكاني[3] تعريفا مشابها.
4، 3، 1- الخلاف في وجود الترادف في اللغة
ذهب بعض اللغويين قديما وحديثا إلى إنكار وجود الترادف في اللغة، منهم ابن الأعرابي، وثعلب، وابن فارس، والمبرد، وأبو هلال العسكري، ومن الأسباب التي ذكرت لذلك أن المترادفات غير مفيدة "وواضع اللغة حكيم لا يأتي فيها بما لا يفيد"[4] وفسروا ما يرى فيه ترادفا على أنه "من لغتين متباينتين" أو أن المعنيين مختلفان، أو أنه من قبيل "تشبيه شيء بشيء".[5]
وقد أول بعض منكري الترادف ما ورد من المترادفات بالتماس فروق دقيقة بينها، كالتفريق بين الاسم والصفة كما تقدم، وبالغوا أحيانا في تكلف بعض الفروق، ومن ذلك تعسفهم في القول بأن الإنسان والبشر من المتباينات وليس من المترادفات؛ لأن "الأول موضوع له باعتبار النسيان، أو باعتبار أنه يؤنس، أو باعتبار أنه بادي البشرة".[6] ولا يخفى ما في هذا من تكلف وتمحل؛ إذ لو كانت هذه الفروق ملحوظة لراعاها متكلمو اللغة في استخدامهم للكلمتين. ومن تعسفات منكري الترادف في اصطياد فروق بين المترادفات ذهابهم إلى القول بأن جلس وقعد متباينان؛ لأن الأول يكون عن اضطجاع والثاني عن قيام، ولكن المتأمل في كلمة ‘المجلس’ الواردة في القرآن الكريم، وفي كل ما ورد من ‘جلس’ و‘قعد’ ومشتقاتهما في المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم ليلحظ أن ما قيل عن الفرق بين الكلمتين لا يخرج عن التكلف والمبالغة، على أنه ينبغي ألا يفهم من تعليقنا هذا نفي الترادف بين الكلمتين، بل كل ما قُصد هو نفي التفريق بينهما على النحو المذكور، أما وجود فروق معنوية ناشئة عن اختلاف توزيعهما السياقي، فهو أمر واضح من خلال النظر في الآيات التي وردت فيها مشتقات ‘قعد’ ومنها "تقعد" واقعدوا" و"القاعدين" و"مقعد".؛ إذ لا يمكن إحلال مثيلات هذه الكلمات من مقابلاتها المشتقة من ‘جلس’.
4، 3، 2- أنواع الترادف:
يبدو أن تقسيم الترادف تبعا لتقسيم المعنى مفيد منهجيا في اكتشاف أنواعه واستقصائها ومناقشتها، ولذا سنصنف المعنى إلى الأصناف الآتية:
1- الترادف الإشاري:
يقصد بالترادف الإشاري اتفاق لفظين (أو أكثر) في المشار إليه، ومنه أوصافه صلى الله عليه وسلم- المختار والبشير ونحوهما التي تشير جميعها إلى ذاته ص- وتختلف في معانيها الإحالية، ولذا فإذا نزعت هذه الألفاظ عن سياقيهما الثقافي والعقدي، فقد تستخدم للإشارة إلى غيره عليه السلام، لأن معناها الإحالي يسمح من الناحية اللغوية بإطلاقها على كل من تنطبق عليه معانيها، ويبقى السياق هو الذي يحدد معناها الإشاري. ويسمي بعض الأصوليين الألفاظ المترادفة إشاريا بالمترادفة في الذات.
2- الترادف الإدراكي:
المراد بالترادف الإدراكي اتفاق لفظين (أو أكثر) في معناهما الإبلاغي المحض الخالي من الإيحاءات العاطفية، أو التأثيرية. ومنه اتفاق ‘فم’ و‘ثغر، وكذلك ‘عنق’ و‘رقبة’ و‘جيد’ في المعنى الإدراكي، واختلافها في ظلالها المعنوية، والدليل على ذلك اختلاف سياقاتها كما هو بيّن في الأمثلة الآتية:
· دعا الإسلام إلى تحرير (جياد، أعناق، رقاب) العبيد.
· قصائد الغزل ملأى بوصف (جياد، أعناق، رقاب) النساء.

· يقتل المحكوم عليهم بالإعدام في كثير من البلدان بقطع (جياد، أعناق، رقاب) هم.

3- الترادف التام:
يتوقف وجود الترادف التام على تحقق شرطين:
1- قابلية الاستبدال في جميع السياقات.
2- التطابق في كلا المضمونين الإدراكي والعاطفي.
ونظرا إلى صعوبة تحقق الشرطين، فإن "الترادف التام نادر الوجود فهو من الترف الذي يصعب على اللغة أن تجود به".[7]
وقد حاول جون لاينز التفريق بين الترادف الكامل complete synonymy والترادف التام total synonymy بتخصيص الأول منهما لما انطبق عليه الشرط الثاني من الشرطين السابقين، وإفراد الثاني لما تحقق فيه الشرط الأول.[8] وقد أضاف في دراسة أخرى مصطلح الترادف المطلق وهو ما تحقق فيه الشرطان، بحيث يصير الترادف المطلق هو الترادف الكامل التام، ورأى أن هذا النوع من الترادف الذي يعني اتفاق اللفظين في المعنى الوصفي والتعبيري والاجتماعي، مع اتحاد التوزيع السياقي بينها غير موجود تقريبا.[9]



[1] المزهر: 1: 402.
[2] التعريفات، 31.
[3] إرشاد الفحول، ص18.
[4] العسكري، الفروق في اللغة، ص 13.
[5] المزهر: 1: 385.
[6] شرح الجلال شمس الدين المحلي على متن جمع الجوامع بحاشية البناني، 1:294.
[7] Lyons, Introduction to Theoretical Linguistics, 447-8.
[8] Lyons, Introduction to Theoretical Linguistics, 448.
[9] Lyons, Language and Linguistics, 148.

الأضداد


يقصد بالأضداد ألفاظ المشترك اللفظي التي تدل على معنيين متضادين. وبذلك يكون مبحث الأضداد فرعا عن مبحث المشترك اللفظي. ومن أمثلته إطلاق الجون على اللونين الأبيض والأسود.

ومما يلحظ في دراسة القدماء للأضداد:

1- أنه يكفي في عد الكلمة من الأضداد دلالتها على معنيين متضادين سواء اتفقت اشتقاقاتها أم اختلفت؛ ولذا عد كل من الأصمعي، وابن السكيت، والسجستاني، والصغاني كلمة ‘قانع’ (في دلالتها على السائل، وعلى الراضي بما قسم له) من الأضداد على الرغم من اختلاف متصرفاتها؛ فالقانع بمعنى الراضي مشتقة من قنِع يقنَع على وزن شرب يشرب، ومصدرها قناعة وقَنَعا، وقنعانا، أما القانع التي تعني السائل فهي من قنَع يقنَع كصنع يصنع، ومصدرها لا يأتي إلا على وزن فُعول. وقد كان لأبي الطيب اللغوي رأي آخر حيث أخرج أمثال هذه الكلمة من الأضداد، وكأنه عدها كلمتين مختلفتين، وليس كلمة واحدة، وقد صرح بأن شرط الأضداد "أن تكون الكلمة الواحدة تنبئ عن معنيين متضادين، من غير تغيير يدخل عليها، ولا اختلاف في تصرفها".

2- أن قسما من اللغويين لم يراع في دراسة ظاهرة الأضداد كونها مبحثا من مباحث الدلالة المعجمية، فأدخل في الأضداد ما نشأ عن اتفاق الصيغة الصرفية، كما فعل أبو حاتم في ما هو على صيغة مفتعِل ومفتَعل من المعتل العين الواوي واليائي، ومن المضاعف، وذلك نحو المختار، والمزدان، والمعتاض، والمقتال، والمعتد والمنقاد، وقد أخرج أبو الطيب هذا النوع من الأضداد، ولكنه أدخل فيها نحو الحالق (لمن يحلق شعر غيره، ولمن حلق له)، ولعله محق في ذلك لأن المختار ونحوه من قبيل المشترك القواعدي، أي أن الاشتراك فيه ناشئ عن اتفاق في الصيغة الصرفية، وليس عن اتفاق في المعنى المعجمي، أما الحالق ونحوه فهو من المشترك المعجمي (أي اللفظي) لأن دلالته على المعنيين دلالة وضعية سماعية ترتبط بالمعنى المعجمي، ولا تعود لأسباب صوتية صرفية.

3- أن بعضهم أدخل في الأضداد ألفاظ تدل على معنى مشترك بين الضدين وليس على معنيين متضادين، كما في القرء في إطلاقه على الطهر والحيض، وهو في الحقيقة يدل على الوقت المشترك بينهما.

4، 2، 1- أسباب وقوع الأضداد:

يمكن تلخيص أسباب وقوع الأضداد في الآتي:

1- تداخل اللهجات: وقد عوّل لغويو العربية كثيرا على هذا العامل حتى نفى بعضهم كما يذكر السيوطي- وقوعه في اللهجة الواحدة،[1] وقد خالف أبو بكر بن دريد في ذلك، وذهب إلى أنه لا يعد من الأضداد إلا ما كان في اللهجة الواحدة منكرا أن تكون كلمة ‘الشَّعْب’ في إطلاقها على الاجتماع والافتراق من الأضداد لأنها تنتمي إلى لهجتين مختلفتين.[2]

2- التفاؤل: ومن ذلك ما ذكره ثعلب حيث قال: "من الأضداد مفازة مفعلة من فوز الرجل إذا مات، ومفازة من الفوز على جنس التفاؤل السليم".[3]

3- التطير: يقول ابن منظور صاحب لسان العرب: " وإنما سمي اللديغ سليما لأنهم تطيروا من اللديغ، فقلبوا المعنى، كما قالوا للحبشي أبو البيضاء، وكما قالوا للفلاة مفازة، تفاءلوا بالفوز وهي مهلكة".[4] ومن الواضح أن هذا السب وما قبله متماثلان في واقع الأمر، والاختلاف إنما هو في وجهة النظر المراعاة. فقد راعى ثعلب الإقبال على استخدام مفازة بدلا من مهلكة على سبيل التفاؤل، في حين اهتم ابن منظور بالانصراف عن استخدام مهلكة على سبيل التطير، والنتيجة واحدة كما هو بيّن.

4- التهكم: ومنه إطلاق ‘المُغلَّب على المغلوب مرارا، وهو في الأصل للمحكوم له بالغلبة.[5]

5- التأدب: ومنه إطلاق البصير على الأعمى.[6]

ومن الواضح أن المعاني الأصلية لكلمات الأضداد ناشئة عن الوضع، وأن المعاني الطارئة ناشئة عن الاستعمال وضروراته الاجتماعية كالتفاؤل والتأدب والتهكم.



[1] المزهر: 1 :104.

[2] المزهر: 1 :396.

[3] المزهر: 1 :393.

[4] ابن منظور، معجم لسان العرب: (سلم).

[5] ينظر أضداد الأصمعي: 53.

[6] ينظر أحمد مختار عمر، علم الدلالة، ص 205-6. وإبراهيم أنيس، في اللهجات العربية، ص 208 وما بعدها.

المشترك اللفظي:


تعد ظاهرة المشترك اللفظي (مثلها في ذلك مثل الترادف) مشكلة من المشاكل الدلالية، لكونها تسير خلافا للوضع المثالي للغة الذي يقتضي أن يكون للفظ الواحد معنى واحد، وللمعنى الواحد لفظ واحد. وسنشرح فيما سيأتي آراء كل من علماء أصول الفقه، واللسانيين الغربيين، ولغويي التراث في ظاهرة المشترك اللفظي.

1- المشترك عند علماء أصول الفقه الإسلامي:

يفرق الأصوليون عادة بين ثلاثة مصطلحات تتعلق بالمشترك اللفظي: المشترك، والمنقول، والمستعار. فالمشترك وفقا للغزالي هو ما "وضع بالوضع الأول مشتركا للمعنيين لا على أنه استحقه أحد المسميين، ثم نقل عنه إلى غيره"[1] أي أنه اللفظ الموضوع لمعنيين على التساوي في الاستحقاق، دون أن يكون أحد المعنيين بأولى من الآخر في ارتباطه بذلك اللفظ. ومن أمثلته لفظ ‘العين’ الذي يدل على ينبوع الماء والدينار وقرص الشمس دون أن يكون هناك صلة واضحة بين هذه المعاني الثلاثة تدعو إلى القول بأن اللفظ وضع لأحدها ثم نقل إلى الآخرين أو إلى أحدهما بحكم علاقة تجمع بينها. فكل واحد من هذه المعاني الثلاثة يستحق لفظ العين على التساوي.

أما المنقول فهو الاسم المنقول عن موضوعه الأول "إلى معنى ويجعل اسما ثابتا دائما، ويستعمل أيضا في الأول فيصير مشتركا بينهما"[2] أي أنه لفظ نقل عن مسماه إلى مسمى آخر على سبيل الثبات لعلاقة بينهما، ثم استخدم في المعنيين معا. ومن أمثلته ‘الصلاة’ و‘الحج’ حيث دل الأول بالوضع على مطلق الدعاء، ثم نقل للدلالة على هيئة الصلاة الإسلامية المخصوصة، ودل الثاني بالوضع على القصد ثم نقل إلى هيئة الحج الإسلامي المخصوص (المؤلف من إحرام وطواف وسعي ووقوف بعرفة). وعلى الرغم من دلالة المنقول على المعنين فإن أحدهما أكثر استحقاقا له من الآخر بحكم كونه وضع له، فالصلاة وضعت للدعاء ثم نقلت إلى الصلاة الإسلامية المعروفة، والحج وضع للقصد ثم نقل إلى هيئة الحج الإسلامي.

وأما المستعار فهو الاسم المنقول مؤقتا إلى غير ما وضع له لعلاقة بينهما. وقد عرفه الغزالي بأنه "أن يكون اسم دالا على ذات الشيء بالوضع، ودائما من أول الوضع إلى الآن، ولكن يلقب به في بعض الأحوال لا على الدوام شيء آخر لمناسبته للأول على وجه من وجوه المناسبات من غي أن يجعل ذاتيا للثاني وثابتا عليه ومنقولا إليه"[3]. ومن أمثلته لفظ أم الذي وضع للوالدة ثم استعير للأرض فقيل أم البشر، والجناح الذي وضع للعضو الذي يساعد الطائر على الطيران، ثم استعير للذل في قوله تعالى: "واخفض لهما جناح الذل من الرحمة" ( ). ومنه أيضا "رأس المال، وجه النهار، عين الماء، حاجب الشمس، أنف الجبل"[4].

وكما هو واضح فإن الفرق بين المشترك من جهة والمنقول والمستعار من جهة أخرى هو أن المشترك لا وجود لعلاقة بين معنييه (أو معانيه)، أي أن كلا معنييه حقيقة، في حين أن معنيي (أو معاني) المنقول والمستعار يرتبطان بعلاقة مجازية. أما الفرق بين المنقول والمستعار فهو أن النقل ثابت في المنقول ومؤقت في المستعار.

2- المشترك عند الغربيين:

بينما يميز الأصوليون بين ثلاثة أنواع من المشترك كما تقدم في المبحث السابق- يفرق اللسانيون الغربيون بين نوعين فقط هما التماثل اللفظي homonymy والتعدد المعنوي polysemy،. فالأول هو المعادل للمشترك عند الأصوليين حيث يكون للفظ الواحد معنيان لم يكن أحدهما ناشئا عن تطور في استخدام اللفظ، وقد سميت هذه الظاهرة بالتماثل اللفظي لأنهم يفترضون أن ثمة لفظين وضع كل منهما لمعنى ولكن صادف أن كان اللفظان متماثلين، ولذا فإنهما يعطيان مدخلين مختلفين في المعجم ولا يعاملان معاملة العجمة lexeme الواحدة. ويمثل للتماثل اللفظي بنحو bank1 بمعنى مصرف وbank2 بمعنى ضفة النهر؛ إذ لا علاقة بين المعنيين، ومن أمثلته في العربية كلمة خال التي تطلق على أخي الأم، وعلى الحبة السوداء في الخد، وعلى لواء الجيش . أما الثاني فيطلق على "الحالات التي تتعدد فيها مدلولات الكلمة الواحدة"[5] كما في كلمة رقبة neck التي تعني جزءا من الجسم، وجزءا من الثوب، وجزءا من الزجاجة، وشقة ضيقة من الأرض.[6] ومن الواضح أن كل هذه المعاني متقاربة تجمع بينها علاقات مجازية.

والمعيار الذي ينبغي أن يراعى دائما في التفريق بين التماثل اللفظي والتعدد المعنوي هو التقارب المعنوي relatedness of meaning. فإذا تقاربت معاني اللفظ الواحد فإن الكلمة الدالة على تلك المعاني تعد من قبيل المشترك المتعدد المعنى polysemous. وإذا انقطعت معاني اللفظ بعضها عن بعض، فالكلمة من المشترك المتماثل اللفظ homonymous.

3- المشترك عند لغويي العربية:

يطلق لغويو العربية القدماء مصطلح المشترك اللفظي على كل أنواع اللفظ الذي يدل على أكثر من معنى، سواء أتقاربت معانيه أم اختلفت. ويترتب على ذلك أن كل معاني كلمات ‘عين’ الموجودة في المعاجم تعد من قبيل المشترك وتعطى مدخلا معجميا واحدا في المعاجم سواء تلك التي تقاربت معانيها مثل الجاسوس والعضو الباصر وفم القربة، أو تلك التي ليس لها صلة بهذه المعاني مثل الاعوجاج في الميزان، والمطر الذي يجيء ولا يقلع أياما، والسحابة التي تأتي من جهة القبلة.

والظاهر أن علماء الأصول تفوقوا على اللغويين القدماء في البحث في المشترك اللفظي بتفريقه الدقيق بين المشترك والمنقول، وهو تفريق يدعو إلى ضرورة إعطاء مداخل معجمية للمشترك اللفظي الحقيقي تبعا لعدد المعاني التي يدل عليها في حين يكتفى بمدخل معجمي واحد للمنقول. أما المستعار فلا يدوّن عادة في المعاجم إلا إذا أصبح من الاستعارات الميتة، وبذلك يصبح من المنقول.

4- أسباب وقوع المشترك اللفظي:

يرجع اللغويون وقوع المشترك إلى أسباب جغرافية وتاريخية نلخصها فيما يأتي:

أولا: الأسباب جغرافية: يذكر أبو علي الفارسي أن تداخل اللغات (يقصد اللهجات العربية) سبب من أسباب وقوع الاشتراك في العربية، وينفي أن يقع في لهجة واحدة.

ثانيا: الأسباب التاريخية: لعل أشهر من علل ظاهرة الاشتراك على أساسي تطور صوتي هو اللغوي إبراهيم أنيس، فقد حاول أن يفسر كلمات مثل ‘السغب’ (في دلالتها على الوسخ والدرن، وكذلك القحط والجوع) بالقول إنها "تطورت في لهجة من اللهجات، ولظرف من الظروف الخاصة، حتى أصبحت (التغب) من المشترك اللفظي" مستأنسا في ذلك بما تفعله بعض القبائل اليمنية حين تقلب السين تاء، كما في قولهم ‘النات’ بدلا من ‘الناس’. ثم "جاء جامعو المعاجم ونسبوا معنيين مختلفين لكلمة (التغب)، وعدوها من المشترك اللفظي".[7]

وبغض النظر عما إذا كان إبراهيم أنيس قد وفق أو وأخفق في معرفة السبب الحقيقي الذي جعل كلمة السغب’ ونحوها من المشتركات اللفظية، فإن المنهج الذي اتبعه في الوصول إلى ذلك إنما هو منهج تأثيلي غير موضوعي يعتمد على الحس الشخصي، ولا يشركه فيه المختصون في اللغة.

ويذكر بعض اللغويين ومنهم أبو علي الفارسي أن المجاز أحد أسباب وقوع المشترك اللفظي، وهذا رأي غير مقبول إذا سلمنا بالتفريق بين المشترك والمنقول، لأن المعاني المجازية التي يرتبط بها اللفظ إنما نشأن عن تطوره والتوسع فيها فنقل اللفظ إليها، وليست بأي حال مما تساوت فيه المعاني في استحقاق اللفظ كما أوضحنا.


[1] الغزالي، معيار العلم، ص 56-7.

[2] الغزالي، معيار العلم، ص 56.

[3] الغزالي، معيار العلم، ص 56.

[4] الغزالي، معيار العلم، ص 57-8.

[5] أولمان، دور الكلمة في اللغة، ص114.

[6] Lyons, Language, p147.

[7] إبراهيم أنيس، في اللهجات العربية، ص201.

4- نظرية أفعال الكلام


تنسب نظرية أفعال الكلام إلى أوستن J. L. Austin ، وقد جمعت محاضراته التي ألقاها في جامعة هارفرد سنة 1955 في كتاب سمي ‘كيف تفعل الأشياء بالكلمات’، ثم قام جون سيرل John R. Searle وغيره من البراغماتيين بتطوير هذه النظرية أثناء السبعينيات والثمانينيات.

تقوم نظرية أفعال الكلام Theory of speech acts على النظر إلى اللغة على أنها أداء أعمال مختلفة في آن واحد، وما القول إلا واحد منها، فعندما يتحدث المتكلم فإنه في الواقع يخبر عن شيء، أو يصرّح تصريحا ما، أو يأمر، أو ينهى، أو يلتمس، أو يَعد، أو يشكر، أو يعتذر، أو يحذّر، أو يدعو، أو يسمي، أو يستغفر، أو يسبح، أو يمدح، أو يذم، أو يحمد الله، أو يعقد صفقة تجارية، أو يتزوج، أو يطلق، إلخ.

وتنظر نظرية أفعال الكلام إلى عملية التخاطب على أنها مخاطبة مرتبطة بموقف تعبر عنه، فالطلب يعبر عن رغبة في شيء ما، والمدح يعبر عن رضى، والشكر يعبر عن امتنان، والاعتذار يعبر عن ندم. ويقاس نجاح التخاطب وفقا لهذه النظرية بمدى اكتشاف المتلقي للموقف المعبر عنه من خلال فهم مقصد المتكلم.

وقد قسم أوستن أفعال الكلام ثلاثة أقسام:

أ‌- الفعل اللفظي Locutionary act ويقصد به عملية النطق بالجملة المفيدة التي تتفق مع قواعد اللغة.

ب‌- الفعل غير اللفظي illocutionary act ويراد به الفعل الذي يقصده المتكلم بالجملة، كالأمر أو النصيحة.

ت‌- الفعل المترتب عن النطق perlocutionary act وهو التأثير الذي يكون للفعل اللغوي في المتلقي، كطاعة الأمر، أو الاقتناع بالنصيحة، أو تصديق المتكلم أو تكذيبه.

وقد لفتت هذه النظرية الانتباه إلى أن اللغة ليست للإخبار ونقل الأفكار فقط، بل تؤدي أيضا وظيفة التأثير الاجتماعي في الآخرين عبر ما يعرف بصيغ العقود أو الصيغ الإنشائية. ويميز عادة بين نوعين من هذه الصيغ: صيغ الأحكام وصيغ الإنجاز، ومن الأولى أحكام المحكّمين، والفتاوى، ونحوها، ومن الأخرى صيغ العقود كقول المطلق لزوجته ‘طلّقتك’ أو ‘أنت طالق’، وقول من أراد أن يتزوج "قبلت’ عند عقده للنكاح، وقول البائع ‘بعت’ والمشتري ‘اشتريت،.ومنها أيضا قرارات التعيين، والنطق بالحكم بالسجن ونحوه. ولا تكون هذه الصيغ نافذة إلا إذا صدرت من متكلم معين لمخاطب معين في زمن معين ومكان معين وظرف معين.

وتعنى نظرية أفعال الكلام بتصنيف أفعال الكلام إلى أنواع كالتفريق بين أفعال الكلام المباشرة وغير المباشرة، والوضعية والتخاطبية، والحرفية وغير الحرفية، ودراسة طرائق نجاح تلك الأفعال وإخفاقها، وتغير معاني الجمل تبعا للسياق كتحوّل الخبر إلى إنشاء مثلا.[1]

ومن الاختبارات التي وضعها أوستن للتمييز بين الجمل الوصفية (أو الخبرية) والإنشائية أن المتكلم بقوله (1) مثلا لا يشغّل محرّك السيارة، وأما بقوله (2) فهو يعد، وبقوله (3) فهو يشكر إلخ.

(1) أشغّل محرك السيارة.

(2) أعدك بزيارة أخرى.

(3) أشكرك على حسن الضيافة.

ومن خصائص صيغ العقود أن ضمير الفعل الأساسي فيها (أو ما يقوم مقامه) إنما هو ضمير المتكلم عادة، وإن كانت هناك أمثلة تخرج عن هذا الأصل كما في (4).

(4) أنت طالق.

ومن التقسيمات التي جاءت بها نظرية أفعال الكلام التفريق الثلاثي بين

أ‌- الجمل الخبرية declarative sentences، التي تستعمل للإعلانات، والتصريحات، والدعاوى، وسرد القصص ونحوها،

ب‌- والاستفهامية interrogative، التي تستخدم لطلب إجابة لفظية من المخاطب،

ت‌- والطلبية التي تدل على رغبة المتكلم في التأثير على الأفعال المستقبلة، وتستخدم للطلبات وإصدار الأوامر، والاقتراحات، ونحوها.[2]


[1] للتوسع في دراسة هذه النظرية يمكن الرجوع إلى:

Austin, J. L. (1962) How to Do Things with Words, Cambridge, Mass.: Harvard University Press.

Searle, J. (1969) Speech Acts: An Essay in the Philosophy of Language, Cambridge, Eng.: Cambridge University Press

Strawson, P. F. (1964) 'Intention and convention in speech acts', Philosophical Review 73: 439-60.

Tsohatzidis, S. L., ed. (1994) Foundations of Speech Act Theory: Philosophical and Linguistic Perspectives, London: Routledge.

[2] Sadock and Zwicky (1985: 160)

الجديد في منتديات تخاطب